امرأة جميلة ولكن…!

0 42

 أسماء لوهاب/ خبارنا.نت

تُخفي شعرها الحريري تحت قبعة رجالية، ترتدي معطفا طويلا داكن اللون وقفازين يثيران الدهشة، تحدق في الوجوه وتتبادل الابتسامات دون أن تنبس ببنت شفة.

التقت عيوننا في نظرات خاطفة، ثم صُوبت نحو المتحدث، كان للحضور فرصة التفاعل مع المحاضر فنالت هي حصة الأسد، في مداخالاتها المتكررة أبانت على مستوى عال من الإطلاع والإلمام بمواضيع مختلفة، لكن الأبرز هو شراهتها في الحديث لدرجة كان من الصعب أخذ الكلمة منها.

في صمتي المعتاد، كنت أصغي لها بتمعن و أراقب حركات جسدها البطيئة جدا، بطؤ يناقض سرعتها في الحديث، الفهم والتفاعل، عدم التناسق هذا أثار غرابتي وفضولي، من تكون هذه الأربعينية الشبابية المظهر المنفتحة الفكر، و المتحجرة الجسد.

مع توالي أيام التدريب، اكتشفت شيئا فشيئا لغز هذه السيدة المميزة، لم يتطلب ذلك جهدا كبيرا، أحاديث جانبية سريعة كانت كافية لأطل على ذلك الجزء الخفي منها، وأكتشف أنها واحدة من ضحايا مجتمعنا السكيزوفريني.

أخبرتني عن رحلتها للهروب التي لم تكلل بالنجاح، حيث هاجرت إلى كندا بحثا عن الذات الموؤدة هنا لتجد نفسها في حرب مع نفسها لتعود خالية الوفاض، حاولت في وطنها قبل الهجرة وبعدها لكن الفشل كان لها بالمرصاد.

عدم قدرتها على الحصول على وظيفة رغم كفاءتها وشهاداتها العالية، كرس في ذهنها فكرة الإقصاء المقصود، فكفت عن المحاولة، عائدة بذلك لما أرادت لها الأسرة المطبخ وانتظار فارس الأحلام الذي تأخر وقد لا يأتي.

مرت السنين كما أرادوا لها لتجد نفسها في السابعة والأربعين من عمرها، بلا وظيفة ولا زوج، منزوية الى جانب والديها الكهلين، لتقرر الانتفاضة على الوضع مجددا وتحمل حقيبتها نحو مدينة جديدة وبداخلها رواسب كل تلك السنين، لتطلق العنان لروحها المنكسرة للتعبير عن واقع تشترك معها فيه العديدات، ممن تُعِدهن الأسر لزواج لا غير رغم ما يصلن له من مستوى تعليمي.

الخلل يبدأ من الأسرة والمجتمع بأفكاره التي يعيد انتاجها رغم كل المآسي التي نجمت عنها، لينتقل إلى الفرد و بالأخص المرأة التي تجد نفسها بين سجن الانتظار، والمحاكمة على ذنب لم تقترفه وعلى واقع كان لهم السبب الرئيسي في وصولها إليه.

لهذا اختارت مغادرة مدينتها الصغيرة كي لا تموت بحبل التساؤلات الملفوف حول عنقها كلما جالست بنات جنسها المتزوجات، أو بخنجر كلمات الحسرة والشفقة على شبابها الذي قضته في أحضان المكتبات، وعلى حافة الانتظار.

قالت لي لم أجد حلا سوى أن أهرب بي، بعيدا عن من يراني نصف أنثى فقط لأني لم يكتب لي الزواج بعد، عن من يعتبرني قاصرا رغم نضجي ، تجاربي، ورصيدي المعرفي فقط لأني لم أدخل قفصهم الذهبي بعد، عن كل أولئك اللذين لا يملون من تكرار نفس الجملة على مسامعي، في كل مرة …امرأة جميلة لكن..!

 

Loading...