رفيقة سفر!

0 117

دينة البشير / خبارنا.نت

لا يوجد شخص غريب يوحي بالأمانة بالعالم أكثر من رفيق السفر ،فهذا الأخير لا يمكنك أبدا ان تشكك في صدقيته ،وهو الوحيد الذي تستطيع أمامه أن تتعرّى -نفسيا- وتبوح له بكل هواجسك أحاسيسك وزلاّتك طول مدة الرحلة بدون تحفّظ!
جلست بجانبي في القطار شابة جميلة تبدو تجاوزت عقدها الثالث،جفن عينيها يحكي الكثير عنها ،بدت منشغلة برسائل الواتساب التي إستطاعت أن تنتزع منها بعد الإبتسامات..إلى أن نفذت بطارية هاتفها.
و ﻧﻈﺮﺍ ﻟﻄﻮﻝ ﺍﻟﻤﺴﺎﻓﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ البيضاء وطنجة كان لا بدّ من الفضفضة “، ﺍﻗﺘﺮحت عليها أن تغير مكانها وتجلس قبالتي فوافقت .
هي إبنة عروس الشمال خلال حديثها بدت لي متخاصمة وعاتبة على مدينتها قبل أن ترتمي لحضن البيضاء التي لا تحلّق فوقها الملائكة..!ذاقت من طنجة الويلات حسب تعبيرها :”صافي كرهت كلشي كيربطني بطنجة بغيت نخرج من هاد المدينة للي شفت فيها غير الخايب”!
القطار زاد وتيرة سرعته فيما أخفضت هي صوتها مسترسلة في بوح قصتها لي ..الأمر إبتدأ بقصة حب في الثانوي -إستمرت لـ4 سنوات حتى حصولها على دبلوم الدراسات الجامعية بسلك الأدب الإسباني -تُوجت بالزواج من الشاب -الذي وصفته بصاحب الكلام المعسول-الذي لم تعرف غيره وفق تعبيرها،كلّ شيء كان على مايرام إلى أن إنتقلت وزوجها “الميكانيكي” للطابق الجديد الذي بناهُ فوق منزل أسرته ؛حتى تبتدأ المشاكل:
“راجلي كان كيقيّل فالخدمة كيخرج ف9 دصباح وكيجي حتى نـ الّليل، عائلتو فضوليين بزاف وخا كنعطيهم التيقار كيطلعو يأذيوني..”وتابعت لي بتأثر:
“تخيّل أختي كنطلع ننشر لحوايج فصباح كنهبط ندار كنلقى عجوزتي ولوستي دخلولي نبيت نعاس..ولبسولي حوايجي للي جاوني كادو فالعرس وذْهبي حتى هو ونا باقي مكملت حتى شهر معهم ..بقيت مدّة ونا كنكتم غيظي حتا جا واحد نهار وشكيت نراجلي ..هبط عندهم وقالهالم لغدا طلعو يضربوني عطاوني قتلة ديال الدق “!صوت القطار ينبهنا أننا وصلنا لمحطة الرباط.. ليقتحم طرف ثالث جلستنا ونتحلّى بالصمت
بدت الطريق مملة جدا بعد أن كتم المسافر الجديد نفسنا فنفذ صبري وسألته :

-غدنزل فطنجة؟
-لا فالعرائش !

صوت القطار ينبهنا أننا وصلنا لمحطة الرباط.. ليقتحم طرف ثالث جلستنا ونتحلّى بالصمت ,بدت الطريق مملة جدا بعد أن كتم المسافر الجديد نفسنا فنفذ صبري وسألته :
-غدنزل فطنجة؟ جميلة
-لا ف ْبلقصيري !
إتكأتُ على نافذة القطار ليتوقف بمحطات أخرى عديدة،وحمدا لله لم يصعد بجانبنا أشخاص آخرين ..
وها نحن قد وصلنا لـ ْبلقصيري” ملامحنا بدا عليها التعب..نزل المسافر الثالث من القطار،فأخرجت بعض “المكسرات”من حقيبتي وتقاسمتها مع إبنة البوغاز ..وقلت لها:
-“إوى كمّلي”؟!
إيقاع الحديث كان مختصرا هذه المرّة ،حين أوضحت لي أن عَدوى عُنف عائلة زوجها إنقلت لهذا الأخير الذي لم يعد يحتمل نار شكوى الطرفين فكل مرة كانت جرعة العنف تزيد..
وقالت:”صافي مابقيتش قادرة نكمل دك الشخص الحنون للي ختارت يشاركني حياتي ولاّ فحال الوحش..”!
فقاطعتها:
-ودبا شنو كدعمل في كازا؟
بدت متردّدة.. فتخلّصت من مخاوفها لتخبرني أنها تعمل في إحدى فنادق البيضاء الشهيرة ،فهي مسؤولة عن الحسابات في “بار الأوطيل” تتحمّل جحيم السكارى وروائح الحشيش والشيشة..ولمسات هنا وهناك..بنت الشمال لا ترى الشمس فعملها يبدأ من التامنة ليلا للثالثة صباحاً..تخرج عند بزوغ الفجر ليصبح نهارها ليلا لتنام فيه..ولا عطل لديها تحاول أن تغطي ضعفها بالعمل والاعتماد علي نفسها..
حين سألتها عن سبب تحمّل هذا الشقاء..قالت لي أن هناك ضحية فهي أم لطفل تربيه والدتها ووالدها اللذان يعتقدان أنها تعمل بأحد شركات الأدوية..
“للي مصبرني هو البقشيش الذي يتجاوز أحيانا 1500 dh في اليوم..خاصة من الخلجيين والأجانب للي كيخلصو ثمن الشراب بالأورو ويتركون الباقي..”خصني عي نجمع ثمن شقة باش نربّي بني..”!
والدها لم يكن موافقا على طلاقها خاصة أنها كانت حاملا”..هي اليوم تخطف يومين لتحتضن إبنها الذي لم تره منذ شهور علّه يعيد إليها إنسانيتها المفقودة..!
إننا أمام عنف مجتمعي ذكوري بطله أو بالأحرى جلاّدهُ هوَ.. ؛فلا فرق بين والدها وزوجها السابق..إستحضرت هنا قول الكاتب الراحل أنيس منصور:
” الرجل الجديد كالرجل القديم كلاهما: رجل… ليس أسهل عنده من أن يعطيك ظهره و يخرج او يعطيكِ ظهره و ينام .. وانت تضربين رأسك في الحائط و اذا لم يكن هذا يعجبك فاشربي من البحر…و سوف تجدين امك و اباك و اخوتك قد اعدوا لك كمية من البحر تكفيكِ حتى الموت”!

..ننبهكم أننا قربنا من محطة طنجة..هكذا أفزعنا صوت القطار..لنجمع أمتعتنا وننزل من القطار..بدت الطنجوية مسرعةً فسألتها عن إسمها ؟؟!
فأجابت مبتسمةً : أمال!

Loading...